|
جواد على أبواب السندريلا
فوزي خضر الأكاديمي والشاعر والناقد وقبلها ومعها وبعدها الإنسان ،يصعب اختزال تجريته في الترحال في زمن الغربة أو فصل في الجحيم أو النيل يعبر المواسم أو من سيرة الجواد المعاند ،إذ تتجاوز تجربته الثرية عبر نتاجه الغزير والعميق كل ذلك .
إن القول بتوصيف محدد المعالم يبدو لي ضرباً من التتشتت البعيد ، ويعود ذلك لاتساع التجربة وانفتاحها على تجارب أخرى تبدأ من مصر ولاتنتهي بالخليج العربي الذي استفاد من الشاعر والأكاديمي والناقد دفعة واحدة.
من هنا رأيت أن أعرّج على مقاطع من ديوانه (من سيرة الجواد المعاد) والذي يوصّف ملمحاً هامّاً لدى الشاعر وهو مايمكنني تسميته بالمكابدة لصناعة النجاح.
إذ يبدو الشاعر متماهياً مع الجواد فلا نستطيع أن نفرّق بينهما :
الجوادُ وحيدٌ
بدربٍ بعيدْ
أقسمتْ سنواتُ السكاكينِ
أن تصطفيهِ
فتُهدر عبر الرحيلِ دَمَهْ
فمضى هَرِماً..
زادُهُ الحمحمه
عُرفُه أكلته الرياحُ
وأقدامه شكَّها البردُ
ساختْ.. بكتْ في مفاصلها
ساعةٌ قاسمه
الجواد /الشاعر ، ولايبدو الجواد هنا عاديّاً بل متصفاً بالعناد والجموح ، والتي استخدم من خلالها الشاعر قناعا يستثمرالرؤية العربية الإيجابية لهذا الكائن، ولايمكننا اغفال الدلالات الأخرى لكلمة (جواد).
إضافة إلى أسطرة الصورة والذهاب بها بعيداً حول كائن شعري مختلف بحسب (كمال أبو ديب)، كما أن تلك الأسطرة للشخصية هي أنسنة للجواد وعلى نحو مبهر من التكنيك الشعري الذي لايجيده إلا أمثال شاعرنا:
الجوادُ المعاندُ..
يدخل في الشمسِ
تدخل فيهِ..
وتخرجُ منه: صهيلاً وحمحمةً
تتناثر - تحت سنابكِه - شعلاً
من شظايا النجومِ،
تُـلوّنهُ باللهيبِ..
يُـلوّنها بالصهيلِ..
تعلمه ويعّلمها
أي جواد هذا الذي يتحوّل إلى كائن خرافي يدخل في الشمس يخرقها وتخترقه؟
إنه جواد يستعلي على المادي والهامشي لينظر للبعيد، فهو ينطلق من الشوارع بزحامها الخانق ومحلاتها المكرّسة للمادية إلى المدى المفتوح ، فلا يوقفه مايوقف غيره.
إنه جواد دائم الفعل عبر عدد من الدوال منها (يدخل في الشمس، تدخل فيه،تخرج منه ، تتناثر، تلوّنه ، يلوّنها، تعلمه ، يعلّمها،تشهّى الصهيل ، يحرّك أقدامَهُ
تدقّ حوافرُه الأرضَ يركض ، تعاند أقداميَ ، ينثر ، تدمدمُ.. توقظُ ...)
كثيرة هي دوال الحركة والفعل في ديوان يتّخذ من الجواد عنوانا له ،وتلتقي جميعها على تكريس فعل العناد والقتالية لصنع الشخصية الناجحة ، وهي مع ذلك لاتبتعد عن الإنساني الشفيف ،فنرى الجواد الصغير في مرضه (ابن الشاعر) ، كما نرى خيبات الجواد وانكساراته التي هي سمة إنسانية ذات حساسية عالية لدى الشعراء تحديداً.
إن قراءة (من سيرة الجواد المعاند) بهذا الاختزال لاتلقي الضوء على تجربة شعرية كبيرة ، ولكنها تمنحنا انطباعا حول حالة شعرية فذّة جعلت من ديوانه فكرة واحدة بحالات عديدة ومتوهّجة حد السطوع.
إن ركض الجواد عبر الديوان هو ركض فنيّ على المستوى الشعر سعيّا وراء التطوّر الدائم لتجربة متفرّدة
وهو ماينعكس على المتلقي الذي يجد نفسه راكضاً ومتعاطفاً ومعجبا أيضا .
إن نص فوزي خضر هو نص ذكي بلا شك يعبيء نفسه وقارئة بالدهشة والتوتر الدائم ، نص لايعرف التثاؤب أو الترهّل أو الاسترخاء، مما يجعله ينتهي في ديوانه بالفعل( يركض) .
وهو الفعل الوحيد القادر على جعلنا نقف مع الشاعر على أبواب (السندريلا ) في لمحة دالة على أن الجواد/الشاعر لايمكنه الركون إلى الصمت وملء حنجرته شعر يستطيع أن يقول التاريخ مجداا رافضا تزييفه وبيعه .
وأشير هنا إلى أن تجربة فوزي خضر متنوّعة وغنيّة حد الثراء ، فهة ينتقل من النص الطويل إلى القصير المكثّف جدا ، وهو مالا يستطيعه إلا أمثاله وقليل ماهم .
حمدان الحارثي
| مقاطع من ديوان : (( من سيرة الجواد المعاند )) |
فوزي خضر
|
الجوادُ وحيدٌ
بدربٍ بعيدْ
أقسمتْ سنواتُ السكاكينِ
أن تصطفيهِ
فتُهدر عبر الرحيلِ دَمَهْ
فمضى هَرِماً..
زادُهُ الحمحمه
عُرفُه أكلته الرياحُ
وأقدامه شكَّها البردُ
ساختْ.. بكتْ في مفاصلها
ساعةٌ قاسمه
فانحنى..
ثم شدَّ العُنُقْ
ورمى نظرةً للأفقْ..
وتشهَّى الصهيلْ
(يا زماناً من الركضِ..
كنتُ بطولكَ.. كنتُ بعرضكَ
أركض في الأرض سهماً من النارِ
يكسو الزمانَ لهيبُ الصهيلِ)
الجوادُ جرتْ في دماه شموسُ العنادْ
ها هو الآن شدَّ الشهيقَ
يحرّك أقدامَهُ
وتدقّ حوافرُه الأرضَ
يركضُ :
هأنذا
- يا زمانَ السكاكينِ -
رمحُ لهيبٍ أُذيبُ النصالَ
وأمضي..
تعاند أقداميَ الشيبَ والبردَ
لستُ الذي يستكينُ
وهذي السكاكينُ:
ليستْ هي القاسمه
والصهيلُ..
أذابَ أسى الحمحمه.
الجوادُ المعاندُ..
يدخل في الشمسِ
تدخل فيهِ..
وتخرجُ منه: صهيلاً وحمحمةً
تتناثر - تحت سنابكِه - شعلاً
من شظايا النجومِ،
تُـلوّنهُ باللهيبِ..
يُـلوّنها بالصهيلِ..
تعلمه ويعّلمها
الجوادُ المعاند يركضُ
ينثرُ عبر الدروبِ
فُتاتَ الصخورِ
بهذي الوجوهِ التي تنحني
ويظلّ الجوادُ
لهيباً بكلّ الصدورِ التي
ترتجي غدَها
يظلّ الجوادُ
يعلّمهم أن نارَ الصهيلِ
تدمدمُ.. توقظُ هذي البلادْ ؟
|
فوزي خضر
البلد:مصر
تاريخ ميلاده من:1950 ميلادي
ـ فوزي محمود احمد خضر
ـ ولد بمحافظة البحيرة عام 1950
ـ حصل على ليسانس في اللغة العربية
ـ عمل في التدريس وفي الصحافة وفي اعداد البرامج الاذاعية
ـ من دواوينة : الترحال في زمن الغربة 1984 فصل في الجحيم 1985 النيل يعبر المواسم 1991 من سيرة الجواد المعاند 1998
|